الحد من عمليات رد الأموال المدفوعة عبر التحقق من الهوية

إليأصبحت عمليات رد الأموال المدفوعة مصدر قلق متزايد للشركات الرقمية. ومع انتقال المزيد من عمليات الشراء والاستشارات والخدمات إلى الفضاء الرقمي، أصبحت الفرص المتاحة للشركات للتأكد ميدانياً من هوية الشخص الذي يجري المعاملة أقل بكثير. يفتح هذا الوضع المجال أمام سرقة الهويات، والاستيلاء على الحسابات، والاحتيال المالي، والنزاعات حول معاملات الشراء المشروعة.
إن حجم هذه المشكلة كبير للغاية. تشير تقديرات مؤسسة ماستركارد إلى أن الحجم العالمي لعمليات رد الأموال المدفوعة سيصل إلى 324 مليون معاملة سنوياً بحلول عام 2028، بزيادة قدرها 24% مقارنة بعام 2025. كما يُتوقع أن ترتفع التكلفة الإجمالية لهذه العمليات من 33.79 مليار دولار في عام 2025 إلى 41.69 مليار دولار بحلول عام 2028.
بالنسبة لخدمات الاشتراك، والأسواق الرقمية، ومنصات البرمجيات كخدمة، وخدمات البث التدفقي، وغيرها من الأنشطة التجارية الرقمية، فإن الوقاية من هذه النزاعات تبدأ قبل استكمال عملية الدفع. يمكن للتحقق القوي من الهوية أثناء إجراء المدفوعات أن يساعد الشركات على بناء ثقة أكبر بشأن الشخص الذي يدخل إلى الحساب، أو يجري عملية شراء، أو يشترك في خدمة ما.
تحدث عملية رد الأموال المدفوعة عندما يعترض حامل البطاقة على معاملة مالية لدى البنك الذي أصدر بطاقته أو الجهة المصدرة لها، مما يؤدي إلى إلغاء المعاملة وإعادة الأموال. وتتنوع الأسباب بين المعاملات غير المصرح بها فعلياً، أو سوء الفهم، أو الاستخدام الخاطئ للحساب، أو التعمد في استغلال آليات إمكانية الاعتراض على المدفوعات (ما يعرف بالاحتيال الذاتي).
ليست كل عملية رد أموال ناجمة عن احتيال، فقد يفشل العملاء في التعرف على اسم المتاجر المدون في كشف حسابهم البنكي، أو ينسون وجود اشتراك دوري تجديدي، أو يعترضون على المعاملة لاعتقادهم أن شخصاً آخر استخدم حسابهم.
وفي الوقت نفسه، يظل الاحتيال الحقيقي مصدر قلق رئيسي. أظهرت أبحاث أجرتها ماستركارد لعام 2025 أن التجار يصنفون نحو 45% من عمليات رد الأموال المدفوعة لديهم على أنها احتيالية، حيث تجمع بين احتيال الطرف الأول واحتيال الطرف الثالث.
هذا يجعل الوقاية من رد الأموال المدفوعة أكثر تعقيداً من مجرد حظر المدفوعات المشبوهة، حيث تحتاج الشركات إلى فهم الشخص الذي يقف خلف المعاملة والظروف التي تجري فيها.
تركز إجراءات أمان المدفوعات التقليدية بشكل كبير على المعاملة المالية ذاتها. قد تفحص الشركات تفاصيل البطاقة، أو رمز الأمان الخلفي، أو عناوين البروتوكول الرقمية، أو معلومات الجهاز، أو أنماط المعاملات. تظل هذه الضوابط مهمة، لكنها لا تجيب دائماً عن سؤال جوهري:
هل الشخص الذي يجري المعاملة هو بالفعل من يدعي أنه هو؟
يضيف التحقق من الهوية طبقة أخرى من الثقة من خلال ربط الحساب المالي بشخص تم التثبت من هويته.
واستناداً إلى طبيعة المنصة ومستوى المخاطرة، قد يشمل التحقق تقديم وثيقة هوية رسمية، أو القياسات الحيودية لملامح الوجه، أو تقنية التحقق من الحيوية، أو التأكد عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف، أو مزيج من هذه الوسائل.
يصبح هذا الإجراء مفيداً بشكل خاص عندما تحتاج الشركات إلى التمييز بين عميل شرعي وشخص آخر يستخدم بيانات دخول مسروقة أو حساباً مخترقاً.
تتحقق الفرصة الأولى للحد من الاحتيال أثناء مرحلة إنشاء الحساب.
يمكن للمحتال إنشاء حساب باستخدام معلومات شخصية مسروقة، أو بيانات اتصال مؤقتة، أو هويات افتراضية مُصنعة، ثم استخدام ذلك الحساب لإجراء عمليات شراء احتيالية. وإذا اقتصر التحقق على مرحلة ما بعد ظهور النشاط المشبوه، فقد تكون الشركة قد تكبدت خسائر مالية بالفعل.
يمكن لعملية الانضمام القوية أن تتحقق من المعلومات الهامة قبل أن يكتسب العملاء إمكانية الوصول إلى ميزات ذات مخاطر أعلى.
على سبيل المثال، يمكن للمنصة الرقمية طلب:
التحقق من البريد الإلكتروني ورقم الهاتف أثناء التسجيل.
التحقق من وثيقة الهوية الحكومية للحسابات ذات المخاطر الأكبر.
التقاط صورة ذاتية مع فحص الحيوية والتثبت المباشر.
مطابقة وتقاطع المعلومات المقدمة أثناء إنشاء الحساب.
ليس الهدف بالضرورة إرغام كل عميل على إكمال عملية تحقق طويلة، بل يمكن للشركات استخدام التقييم القائم على المخاطر لتحديد الأوقات المناسبة لإجراء فحوصات إضافية.
لا ينبغي أن يقتصر التحقق من الهوية على مرحلة التسجيل فقط.
فالعميل الذي أنشأ حسابه بنجاح وبطريقة شرعية قد يصبح لاحقاً هدفاً لعمليات الاستيلاء على الحسابات. وإذا تحصل محتال على كلمة المرور الخاصة بالعميل، فقد يعمد إلى تغيير بيانات الحساب، أو إضافة طريقة دفع جديدة، أو شراء منتجات باهظة الثمن، أو تفعيل اشتراكات.
وهنا يأتي دور التحقق الإضافي المشدد لإحداث الفارق.
يمكن للشركات إطلاق فحص إضافي للهوية عندما يبدو أي إجراء أو معاملة في الحساب غير عادي، ومن أمثلة ذلك:
إجراء عملية شراء ذات قيمة عالية.
إضافة طريقة دفع جديدة.
إدخال تغيير جوهري على معلومات الحساب.
إضافة عنوان تسليم جديد.
تسجيل الدخول من جهاز غير معتاد أو موقع جغرافي جديد.
وجود محاولات مصادقة فاشلة ومتكررة.
بدلاً من تطبيق نفس المستوى من التعقيد على جميع العملاء، يمكن للشركات زيادة متطلبات التحقق كلما ارتفعت درجة المخاطرة. يساهم هذا الأسلوب في الحفاظ على تجربة سلسة للمستخدمين الشرعيين مع فرض عوائق إضافية أمام المحتالين.
تواجه الشركات القائمة على نظام الاشتراكات تحدياً خاصاً لأن المعاملات المالية تتكرر عبر الزمن.
قد يجري العميل دفعة أولية مشروعة، ولكنه يعترض لاحقاً على دفعة دورية متكررة لأنه لم يعد يتعرف على الخدمة، أو نسي إلغاء الاشتراك، أو اعتقد أن شخصاً آخر استخدم حسابه.
لذلك، يعد التواصل الشفاف بشأن الفواتير جزءاً أساسياً للوقاية من طلبات رد الأموال.
يمكن للتحقق من الهوية أن يعزز هذه العملية عبر خلق صلة أكثر وضوحاً بين صاحب الحساب الموثق والاشتراك القائم. وعندما يكمل العميل فحوصات الهوية ويستمر في استخدام الخدمة من الحساب الموثق نفسه، تتوفر لدى الشركة أدلة أكثر قوة تبت ملكيته للحساب في حال حدوث نزاع.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع التحقق من الهوية كبديل للممارسات الشفافة في إدارة الاشتراكات. إذ يجب على الشركات أيضاً تقديم إشعارات تجديد واضحة، وتضمين تفاصيل فواتير سهلة التمييز في كشوف الحسابات، وتوفير خيارات إلغاء ميسرة، مع إتاحة خدمة عملاء يسهل الوصول إليها.
وتتجلى أهمية ذلك بالنظر إلى ما أوردته ماستركارد من أن 48% من المستهلكين اعترضوا على دفعة واحدة على الأقل تبين لهم لاحقاً أنها كانت مشروعة. وبكلمات أخرى: ليس كل نزاع سببه نشاط إجرامي، إذ يمكن منع بعضها ببساطة عبر تسهيل التعرف على المعاملات المشروعة.
يشكل الاستيلاء على الحسابات حلقة وصل رئيسية أخرى بين التحقق من الهوية وعمليات رد الأموال المدفوعة.
تخيل عميلاً لديه حساب يحتوي على بيانات دفع محفوظة، فيحصل محتال على بيانات الدخول الخاصة به ويسيطر على الحساب. يمكن للمحتال حينها إجراء عمليات شراء تظهر وكأنها صادرة عن عميل دائم وموثوق.
قد لا تكتشف الفحوصات الأساسية للمدفوعات المشكلة فوراً لأن بيانات البطاقة والحساب تبدو سليمة.
وهنا يبرز دور التحقق الإضافي من الهوية في اكتشاف هذا النوع من النشاط.
على سبيل المثال، قد تطلب المنصة تحققاً حيوياً عندما يحاول المستخدم تغيير كلمة المرور، أو إضافة طريقة دفع جديدة، أو تنفيذ عملية شراء باهظة بشكل غير معتاد. وإذا عجز الشخص عن إكمال التحقق بنجاح، يمكن للمنصة إيقاف المعاملة مؤقتاً وإجراء تحقيق قبل استكمال الدفع.
لا توجد طريقة أمنية واحدة بمقدورها القضاء تماماً على عمليات رد الأموال المدفوعة.
إن النهج الأقوى هو الذي يجمع بين التحقق من الهوية وإشارات كشف الاحتيال الأخرى. ويمكن أن يشمل ذلك جمع معلومات الجهاز، ومراقبة المعاملات، والتحليل السلوكي، والتحقق من وسائل الدفع، وسجل العميل.
على سبيل المثال، لنفترض عميلاً استخدم الحساب والجهاز نفسه لمده ستة أشهر، وفجأة سجل دخوله من موقع جديد، وغيّر كلمة المرور، وأضاف بطاقة جديدة، وحاول إجراء عملية شراء ذات قيمة عالية.
قد تبدو كل إشارة منها قابلة للقبول بشكل منفرد، لكنها مجتمعة تعطي مؤشراً قوياً على احتمال حدوث استيلاء على الحساب.
تستطيع الأنظمة الفعالة الاستجابة لطلب تحقق إضافي من الهوية بدلاً من رفض العميل تلقائياً. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن الضوابط الأمنية المفرطة قد تضر بالعملاء الشرعيين؛ فالهدف ليس مجرد حظر المزيد من المعاملات، بل الحد من رد الأموال المدفوعة مع السماح للعملاء الحقيقيين بإتمام معاملاتهم المشروعة.
تتعامل بعض الشركات أحياناً مع التحقق من الهوية كحل شامل وكافٍ للاحتيال. لكنه في الواقع يعمل بأفضل صورة كعنصر واحد ضمن استراتيجية أوسع لأمن المدفوعات.
يمكن للنهج المكتمل والمتقدم أن يدمج بين:
التحقق من الهوية: لتحديد شخصية المستخدم.
التحقق من وسائل الدفع: لتقييم أداة الدفع المستعملة.
مراقبة المعاملات: لتحديد سلوكيات الشراء غير العادية.
إشارات الجهاز والسلوك: لاكتشاف الأنشطة المشبوهة داخل الحساب.
التواصل مع العملاء: للحد من التخبط أو اللبس حول المدفوعات المشروعة.
إدارة النزاعات: للرد السريع عندما يثير العملاء مخاوفهم.
يوفر هذا النهج متعدد الطبقات للشركات أدلة وقرائن أكثر قبل المعاملة وأثناءها وبعدها.
إن الأمن أمر حاسم، لكن تجربة العميل لا تقل أهمية عنه.
إذا طُلب من كل عميل تحميل وثائق وإكمال خطوات تحقق متعددة من أجل عملية شراء منخفضة المخاطر، فإن العوائق الإضافية قد تؤدي إلى ترك السلة وإلغاء المعاملة.
إن الاستراتيجية الأفضل هي جعل التحقق متناسباً مع حجم المخاطرة.
يمكن للمستخدمين ذوي المخاطر المنخفضة الاستمتاع بمسار تحقق بسيط وسهل، بينما يمكن للمعاملات عالية المخاطر أن تفعل فحوصات أقوى مثل فحص الوثائق والتأكد الحيوي.
كما أن التحقق الحديث من الهوية يمكن أن يتم بسرعة فائقة؛ إذ يمكن للعميل مسح وثيقة الهوية وإجراء فحص الحيوية من هاتفه الذكي خلال ثوانٍ دون الحاجة إلى إدخال بيانات شخصية مطولة يدوياً.
ينبغي أن يكون الهدف بسيكاً: تحقق أكثر عندما تكون المخاطر أعلى، وقلل من العقبات غير الضرورية عندما تكون المخاطر منخفضة.
يجب على الشركات قياس ما إذا كانت استراتيجية التحقق لديها تؤدي بالفعل إلى تحسين أداء المدفوعات.
تشمل المؤشرات الرئيسية الواجب متابعتها: معدل رد الأموال المدفوعة، ومعدل المعاملات الاحتيالية، وحوادث الاستيلاء على الحسابات، ومعدل إكمال التحقق، ونسب الرفض الخاطئ للعملاء الشرعيين، ومعدل تخلي العملاء عن الشراء أثناء التحقق.
يمكن للشركات أيضاً مقارنة هذه المؤشرات قبل تطبيق التحقق من الهوية وبعده.
على سبيل المثال، إذا أدى التحقق القوي إلى تقليل المعاملات الاحتيالية ولكنه تسبب في زيادة كبيرة في الشراء غير المكتمل، فقد يكون مسار التحقق متشدداً للغاية. وعلى العكس من ذلك، إذا قلل التحقق من الاحتيال دون التأثير بشكل ملموس على معدلات التحول وإتمام الشراء، فإنه يوفر توازناً قوياً بين الأمان وتجربة العميل.
لذلك، يجب أن يُقاس النجاح بمدى خفض المخاطر وتعزيز الثقة في المعاملات، وليس مجرد عدد المستخدمين الذين يكملون عملية التحقق.
دور جوهري: يمكن للتحقق من الهوية أن يلعب دوراً هاماً في الوقاية الحديثة من عمليات رد الأموال المدفوعة، خاصة للشركات التي تدير حسابات رقمية، أو اشتراكات، أو أسواقاً إلكترونية، أو خدمات دفع عبر الإنترنت.
التقييم المبني على المخاطر: الاستراتيجية الأكثر فاعلية ليست التحقق من كل عميل بالأسلوب نفسه، بل اتباع نهج يعتمد على قياس المخاطر يجمع بين فحص الهوية ومراقبة المعاملات وضوابط الدفع والإشارات السلوكية.
التوثيق في المحطات المفصلية: عبر التحقق من المستخدمين في محطات رئيسية من رحلتهم، تجعل الشركات من الصعب على المحتالين إنشاء حسابات، أو استخدام الحسابات المشروعة بشكل خاطئ، أو إتمام معاملات مشبوهة.
مواكبة التحديات العالمية: مع استمرار نمو المدفوعات الرقمية وتوقع وصول الحجم العالمي لرد الأموال إلى 324 مليون معاملة بحلول عام 2028، فإن بناء ثقة أكبر بالشخص الذي يقف وراء كل معاملة يصبح أمراً حيوياً ومطرداً في الأهمية.
حماية الإيرادات وتعزيز الثقة: في النهاية، لا يقتصر التحقق من الهوية في عمليات الدفع على كونه إجراءً للسيطرة على الاحتيال فحسب، بل يساهم -عند تطبيقه بذكاء- في حماية إيرادات الشركات، وتعزيز ثقة العملاء، وخلق تجربة دفع رقمية أكثر أماناً وموثوقية.
شارك أفكارك