يوضح نهج إخفاء الهوية المزدوج في فرنسا كيف يمكن التحقق من عمر المستخدم مع الحد من كشف هويته ونشاطه على الإنترنت دون داعٍ.

يطرح التحقق من العمر سؤالاً مهماً يتعلق بالخصوصية.
قد يحتاج موقع إلكتروني إلى التأكد من أن المستخدم بلغ السن المطلوبة للوصول إلى محتوى مقيّد بالعمر. لكن إثبات العمر قد يتطلب مشاركة بيانات شخصية تكشف للموقع معلومات أكثر بكثير مما يحتاج إليه فعلياً.
فإذا كان المطلوب فقط معرفة ما إذا كان المستخدم قد تجاوز سن 18 عاماً، فهل يحتاج الموقع إلى معرفة اسمه الكامل؟ أو تاريخ ميلاده بالتحديد؟ أو الحصول على نسخة من وثيقة هويته؟ وهل ينبغي للجهة التي تتحقق من العمر أن تعرف الموقع الحساس الذي يحاول المستخدم الوصول إليه؟
اعتمدت فرنسا نهجاً يهدف إلى الفصل بين هذه المعلومات، ويُعرف باسم «إخفاء الهوية المزدوج».
يأتي هذا النهج ضمن إطار التحقق من العمر في فرنسا بالنسبة إلى بعض الخدمات التي تتيح الوصول إلى محتوى إباحي. وبموجب الإطار الذي وضعته هيئة تنظيم الاتصالات السمعية والبصرية والرقمية الفرنسية (Arcom)، يتعين على الخدمات المشمولة الالتزام بمتطلبات محددة للتحقق من عمر المستخدمين، إلى جانب ضوابط لحماية الخصوصية وتحديد كيفية التحقق من بيانات العمر ومشاركتها.
وبالنسبة إلى الشركات التي تعمل في مجال التحقق من الهوية الرقمية، يقدم النموذج الفرنسي مثالاً عملياً على مبدأ مهم: ليس من الضروري دائماً كشف الهوية الكاملة للشخص لإثبات أنه يستوفي شرطاً معيناً.
قد يبدو المصطلح تقنياً، لكن فكرته الأساسية بسيطة.
لنفترض أن موقعاً إلكترونياً يحتاج إلى التأكد من أن الزائر شخص بالغ.
ما يحتاج الموقع إلى معرفته في الأساس هو: هل بلغ هذا الشخص السن المطلوبة للوصول إلى الخدمة؟
ليس من الضروري أن يعرف الموقع من هو هذا الشخص.
يهدف نهج إخفاء الهوية المزدوج في فرنسا إلى إبقاء هاتين المعلومتين منفصلتين.
وفقاً للنموذج الذي شرحته الهيئة الفرنسية لحماية البيانات (CNIL)، يحصل الموقع على إثبات بأن المستخدم بالغ من دون معرفة هويته. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتمكن الجهة المشاركة في إثبات عمر المستخدم من معرفة الموقع المحمي الذي يحاول الوصول إليه.
وبذلك، لا يمتلك أي طرف الصورة الكاملة.
وهذا الفصل هو ما يميز هذا النهج عن مطالبة المستخدم برفع وثيقة هويته مباشرة إلى كل موقع مقيّد بالعمر يرغب في زيارته.
قد يبدو رفع وثيقة هوية الطريقة الأسهل لإثبات العمر، لكنها تحتوي عادةً على معلومات أكثر بكثير مما يحتاج إليه فحص العمر.
فبحسب نوع الوثيقة، قد تكشف الاسم الكامل للشخص وصورته وتاريخ ميلاده الدقيق ورقم الوثيقة وجنسيته وغيرها من البيانات الشخصية.
في المقابل، قد يحتاج الموقع فقط إلى معرفة ما إذا كان المستخدم قد تجاوز حداً عمرياً معيناً.
هناك فرق واضح بين حصول الموقع على ملف كامل عن هوية المستخدم وبين تلقي تأكيد بسيط بأنه تجاوز سن 18 عاماً.
وبالنسبة إلى قرار يعتمد فقط على العمر، قد يكون هذا التأكيد كافياً.
هنا تظهر أهمية التحقق القائم على السمات. فبدلاً من مشاركة الهوية الكاملة للشخص، يمكن تصميم النظام لإثبات معلومة محددة عنه.
العمر مثال على ذلك. وفي حالات أخرى، قد تكون المعلومة المطلوبة هي مكان الإقامة أو سمة أخرى مرتبطة بالأهلية.
وبذلك تحصل الخدمة على المعلومة اللازمة لاتخاذ القرار، من دون أن تحصل تلقائياً على جميع البيانات التي استُخدمت لإثباتها.
يصبح مفهوم إخفاء الهوية المزدوج أوضح عندما نتعامل مع التحقق باعتباره مجموعة من الوظائف المنفصلة بدلاً من اعتباره عملية واحدة للكشف عن الهوية.
أولاً، يحتاج المستخدم إلى وسيلة لإثبات أنه يستوفي الحد العمري المطلوب. وقد يتم ذلك، بحسب النظام المستخدم، من خلال مزود لخدمة إثبات العمر أو وسيلة تحقق أخرى معتمدة.
بعد ذلك يمكن إنشاء إثبات للعمر.
لكن الجزء الأهم هو ما يحدث بعد إتمام عملية التحقق.
فالموقع الذي يتخذ قرار السماح بالدخول لا يحتاج بالضرورة إلى البيانات الشخصية التي استُخدمت للتحقق من عمر المستخدم. ما يحتاج إليه هو دليل موثوق على استيفاء شرط العمر.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تصميم النظام بحيث لا تستطيع الجهة التي تثبت العمر ربط هوية المستخدم بالخدمة المحمية المحددة التي يحاول الوصول إليها.
لذلك لا يركز الإطار الفرنسي فقط على إجراء فحص للعمر، بل يهتم أيضاً بكيفية انتقال المعلومات بين الأطراف المختلفة المشاركة في العملية.
وقد بحثت CNIL في أساليب تقنية تحافظ على الخصوصية ويمكنها دعم هذا الفصل. وقد تختلف طريقة التنفيذ من نظام إلى آخر، لكن المبدأ الأساسي يبقى واحداً: ينبغي ألا يحصل كل طرف إلا على المعلومات التي يحتاج إليها لأداء دوره.
من المهم ألا نفهم الإطار الفرنسي على أنه يفرض طريقة واحدة فقط لتنفيذ جميع عمليات التحقق من العمر.
يحدد الإطار متطلبات لحماية الخصوصية في أنظمة التحقق من العمر، كما يفرض على الخدمات المشمولة إتاحة طريقة واحدة على الأقل توفر مستوى الحماية الأقوى المرتبط بإخفاء الهوية المزدوج.
وهذا التفصيل مهم لأن التحقق من العمر يمكن تنفيذه باستخدام تقنيات ومزودين مختلفين.
لذلك لا تقتصر المسألة على اختيار تقنية معينة للتحقق، بل تشمل أيضاً وضع حدود واضحة للمعلومات التي يمكن تبادلها بين المستخدم وعملية التحقق والموقع الإلكتروني.
وبالنسبة إلى المستخدم، يعني ذلك إمكانية إثبات استيفاء شرط العمر دون الكشف تلقائياً عن هويته الكاملة للموقع الذي يريد الوصول إليه.
لنتخيل أن شخصاً يرفع وثيقة هويته مباشرة إلى موقع إلكتروني مقيّد بالعمر.
قد يصبح لدى هذا الموقع عندها نوعان من المعلومات الحساسة في الوقت نفسه: هوية الشخص والخدمة التي يستخدمها.
وإذا تكررت العملية نفسها في مواقع متعددة، فقد تتم معالجة بيانات الهوية أو نسخ من الوثائق الشخصية لدى عدد من الجهات المختلفة.
يساعد الفصل بين عملية التحقق وقرار السماح بالدخول على تقليل هذا النوع من كشف البيانات.
ويتوافق هذا النهج أيضاً مع مبدأ تقليل البيانات في اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، والذي يقضي بأن تكون البيانات الشخصية مناسبة وذات صلة ومحدودة بما هو ضروري للغرض الذي تتم معالجتها من أجله.
لكن ينبغي عدم الخلط بين إخفاء الهوية المزدوج وبين كونه متطلباً عاماً تفرضه اللائحة العامة لحماية البيانات. فالنموذج الفرنسي يوضح بدلاً من ذلك كيف يمكن لمبادئ تقليل البيانات أن تؤثر في تصميم أنظمة التحقق من العمر.
كما يقدم هذا النهج مبدأ تصميم مفيد لأي منصة للتحقق من الهوية تضع الخصوصية أولاً.
فالتحقق لا يعني بالضرورة أن تحصل كل خدمة مشاركة في العملية على البيانات الشخصية نفسها. بل يمكن تحديد المعلومات التي تتلقاها كل خدمة وفقاً لما تحتاج فعلياً إلى إثباته.
هناك ارتباط بين العمر والهوية، لكنهما ليسا الشيء نفسه.
إذا كانت الخدمة تحتاج فقط إلى معرفة ما إذا كان الشخص قد تجاوز سناً معينة، فقد يؤدي كشف هويته الكاملة إلى تقديم معلومات لا يحتاج إليها قرار السماح بالدخول.
وهنا يتغير السؤال الذي ينبغي للمنصة طرحه.
بدلاً من السؤال: «من أنت؟» قد يكون السؤال المطلوب ببساطة: «هل يمكنك إثبات أنك تستوفي شرط العمر؟»
هذا الفرق مهم، لأن كل معلومة شخصية إضافية يتم جمعها تصبح بيانات يجب التعامل معها وحمايتها وإدارتها بطريقة مناسبة.
إذا لم تكن المنصة بحاجة إلى الهوية الكاملة للشخص لاتخاذ القرار، فإن تقليل كمية البيانات التي يتم جمعها يمكن أن يحد من كشف المعلومات غير الضرورية من دون إلغاء عملية التحقق نفسها.
لا تعني عبارة التحقق الآمن من الهوية دون كشف البيانات أن البيانات الشخصية لا تتم معالجتها مطلقاً.
فقد يحتاج مزود خدمة التحقق إلى بعض المعلومات عن المستخدم للتأكد من أنه يستوفي بالفعل الحد العمري المطلوب.
الفرق يكمن فيما يحدث لهذه المعلومات بعد ذلك.
فالبيانات الشخصية المستخدمة أثناء التحقق لا يلزم أن تنتقل تلقائياً إلى الموقع الذي يعتمد على نتيجة التحقق. ويمكن للموقع بدلاً من ذلك الحصول على إثبات للسمة المطلوبة من دون الحصول على بيانات الهوية الأساسية التي استُخدمت لإثباتها.
وهذا فرق مهم.
فالتحقق الذي يحافظ على الخصوصية لا يقوم على افتراض أن البيانات الشخصية غير موجودة. بل يتعلق بالتحكم في الجهات التي تصل إليها هذه البيانات، وما يمكن لكل طرف الاطلاع عليه، وما إذا كانت المعلومات التي تتم مشاركتها ضرورية بالفعل.
يأتي إطار إخفاء الهوية المزدوج في فرنسا ضمن سياق تنظيمي محدد. فهو ينطبق على الخدمات المشمولة بمتطلبات التحقق من العمر الفرنسية المتعلقة بالمحتوى الإباحي، ولا ينبغي تقديمه باعتباره قاعدة عامة تنطبق على كل موقع إلكتروني أو سوق رقمي أو منصة SaaS.
لكن المبدأ الذي يقوم عليه يمكن أن يكون مفيداً في سياقات أوسع.
قبل بناء عملية تحقق، يمكن للمنصة أن تبدأ بسؤال بسيط: ما الذي نحتاج فعلياً إلى إثباته بشأن هذا المستخدم؟
في بعض الحالات قد تكون الهوية الكاملة والمتحقق منها ضرورية. وفي حالات أخرى، قد تحتاج المنصة فقط إلى إثبات سمة معينة.
وبعد تحديد هذا الاحتياج، يأتي السؤال التالي: ما مقدار المعلومات المستخدمة في عملية التحقق التي يجب أن تصل فعلياً إلى الخدمة التي تتخذ القرار النهائي؟
إذا كان الموقع يحتاج فقط إلى إثبات أن المستخدم يستوفي الحد العمري المطلوب، فقد لا تكون هناك حاجة إلى حصوله على وثيقة الهوية الكاملة للمستخدم كجزء من قرار السماح بالدخول.
يشجع هذا الأسلوب المنصات على التعامل مع التحقق باعتباره وسيلة لإثبات حقائق محددة، بدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات بشكل تلقائي.
لسنوات، كان إثبات معلومة عن نفسك عبر الإنترنت يعني في كثير من الأحيان تقديم بيانات شخصية.
هل تحتاج إلى إثبات عمرك؟ قد يُطلب منك تقديم تاريخ ميلادك. هل تحتاج إلى إثبات أقوى؟ قد يُطلب منك رفع وثيقة هوية.
أما نهج إخفاء الهوية المزدوج في فرنسا فيبدأ بسؤال مختلف: ما الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار؟
في حالة التحقق من العمر، قد تكون الإجابة هي إثبات أن المستخدم يستوفي الحد العمري المطلوب، من دون تزويد الموقع باسمه أو تاريخ ميلاده الدقيق أو تفاصيل وثيقة هويته.
هذا لا يلغي عملية التحقق، بل يغيّر مقدار المعلومات التي تحتاج العملية إلى كشفها.
وبالنسبة إلى المنصات الرقمية التي تصمم أنظمة للتحقق من الهوية والعمر، فهذه هي الفكرة الأوسع التي يمكن استخلاصها من النهج الفرنسي: إثبات المعلومة المطلوبة، والحد من كشف البيانات غير الضرورية، وتجنب الربط بين هوية الشخص ونشاطه على الإنترنت عندما لا تكون هناك حاجة إلى هذا الربط.